المراكز الإسلامية في الغرب

المراكز الإسلامية في الغرب: أهميتها، نشأتها، ما لها وما عليها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الرحمة، خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أحمين.

 

مقدمة

تعتبر ظاهرة عدم التنسيق والإزدواجية من أكبر العقبات التي تواجه الدعوة والمراكزالإسلامية في الغرب. ومن المعلوم فإن التعصب وتغليب الأهواء والمصالح الفردية أيّا كان سببهما وباعثهما هما من اكبر العوائق والأسباب التي أفسدت بين أبناء الأمة وجعلتهم شيعاً متناحرة متناثرة.

من جهة أخرى، مما يلاحظ أن كثيرا من القائمين في شؤون المراكز الإسلامية في الغرب تسرب إليهم التعصب المذموم في صفوفهم، ويلاحظ منهم – الا من رحم ربك- إعجاب كل ذي رأي برأيه مما يساعد على توسيع دائرة الخلاف، بالرغم من أن الله سبحانه وتعالى أرشد عباده إلى ردّ ما تنازعوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

لذا فإننا بحاجة إلى مضاعفة الجهود , وإيجاد آلية منظمة حتى تثمر تلك الجهود وتسدّ الحاجة الملحة , وتحقق الأهداف من وراء الوظائف المناطة بتلك المراكز، كما أننا بحاجة ماسة إلى جمع جهود أبنائنا وخاصة أهل العلم والمعرفة منها، والتخلص من أسباب الصراع فيما بينهم وتحويل طاقتهم نحو العمل البناء المخلص المؤدي إلى حماية الجالية الإسلامية من جهة، ونشر الدعوة الإسلامية في تلك البلاد من جهة أخرى.

 

أهمية المراكز الإسلامية في الغرب وأسباب نشأتها

المراكز الإسلامية في الغرب هي تلك المؤسسات الدعوية سواء كان مسجدا او مدرسة او مركزا التي كان الهدف من وراء إنشائها خدمة الدين الإسلامي ونشره وحماية الجاليات الإسلامية عقيدة وسلوكا من الخطر الداهم من قبل المجتمع غير الإسلامي الذي احتضنها.

ولا شك أن للمراكز الإسلامية في الغرب دور فاعل في الدعوة إلى الله وفي حفظ الهوية الإسلامية للجاليات الإسلامية في الغرب. فإن المسلمين في بعض تلك البلاد مثل بريطانيا يسعون إبراز هويتهم الدينية والثقافية من خلال آليات متعددة منها التدخل في العملية التعليمية من أجل فرض ما يجب تعليمه لأطفال المسلمين، وتشكيل جماعات ضغط من المسلمين في الانتخابات البلدية والتشريعية تهدف لوضع مصالح المسلمين في الحسبان، وفتح قنوات للحوار مع الحكومة لتحقيق حمايتهم من الهجمات العنصرية، والاعتراف بالزواج الشرعي الإسلامي أمام المحاكم البريطانية.

يقول معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي (وجدت المراكز الإسلامية التي يمكن ربط نشأتها بأسباب عديدة من أهمها حاجة مجتمعات الأقليات الإسلامية ـ وهي مجتمعات صغيرة تعيش في مجتمع كبير مغاير ـ للحفاظ على هويتها الإسلامية، وحمايتها من الذوبان، وتمكينها من التفاعل والعطاء، وتعريف الآخرين بثقافة الإسلام وحضارته ومبادئه وحلوله لمشكلات الإنسان والبيئة التي تعاني منها البشرية.

وحاجة هذه المجتمعات الإسلامية الصغيرة للمراكز الإسلامية ذات جوانب دينية وثقافية واجتماعية وتربوية وتعليمية وحضارية، وقد أدت المراكز الإسلامية منجزات عديدة سدت كثيرًا من حاجات الأقليات المسلمة، ولاسيما في المجتمعات الغربية التي تتعرض فيها الأجيال المسلمة إلى مخاطر تؤثر على انتمائها للأمة المسلمة وعلى عقيدتها، وعلى ثقافتها الإسلامية)

ولذلك، فإن حاجة المسلمين في تلك البلاد للفعاليات الإسلامية من مساجد، ومراكز ، ومدارس تزداد يوما بعد يوم لا سيما مع نمو حجم المسلمين المستوطنين في هذه البلاد،الأمر الذي يضاعف مسؤولية الجميع، ويبعث على مزيد من العمل وإيجاد قنوات وأليات للتعاون والتنسيق بين المراكزالإسلامية والمساجد والدعاة والمدارس الإسلامية ، لكي تتحقق الأهداف المنشوذة من تأسيس هذه المؤسسات، ولكي تلبي إحتياجات الجاليات المسلمة في الغرب.

 

المراكز الإسلامية في الغرب ما لها وما عليها

مما لا يمكن نفيه أن بعض او أكثر هذه المساجد والمراكز إسلامية تبذل جهداً حثيثاً لتلبية إحتياجات الجاليات الإسلامية ولإنجاح برامجهم، ولكن عدم التنسيق فيما بينهم جعل محصلة النتائج في الساحة الدعوية هزيلة.

إذا نظرنا نظرة متأنيةً على واقع المراكز الإسلامية في الغرب نجد أن هناك مساجد ومراكز إسلامية مختلفة الاتجاهات، ومع أن التعددية في حد ذاتها ليست ظاهرة سيئة حسب رأيي، إلاّ أنّ هذه المؤسسات الإسلامية ـ بسبب التعصب أحيانا وعدم التعاون فيما بينهم أحيانا أخرى ـ لم تتحقق الأهداف على المستوى المطلوب، وكانت الثمار التي جنيت من تلك الجهود التي بذلها القائمون على هذه المؤسسات الإسلامية قليلة جداً نظراً للمدة الزمنية والفرص المتاحة في الغرب.

وبالجملة، هناك نمو كمي مطرد في عدد المساجد والمراكز والمدارس الإسلامية، وكذلك في عدد المسلمين أنفسهم في الغرب وهذا مؤشر خير، ولكن هذا النمو الكمي لا يرافقه – مع الأسف – نمو كيفي بصورة مطردة. نعم يوجد تنسيق بين بعض هذه المراكز والمنظمات، ولكن لا يوجد تنسيق عام بينها جميعاً. وهذا من الأسباب الرئيسية لضعفها. إن مرد هذا التباعد إنما هو مشكلة التحزب والتعصب، وحب الرئاسة والزعامة فنجد أن كثيرا منهم يتعصبون لجماعتهم، والزعماء يسعون للحفاظ على رئاستهم، ولذلك تذهب فرص التوحيد والتعاون سدى.

لذلك؛ يجب على الدول الإسلامية والعلماء والباحثين الإسلاميين والكتّاب أن يولوا موضوع الدعوة والمراكزالإسلامية في الغرب اهتماماً لائقاً وذلك لكي تلبي هذه المؤسسات لإحتياجات الجاليات المسلمة في الخارج ومن أجل نشر الدعوة والقيم السمحة للإسلام.

الخاتمة: توصيات

 

كان هدفي من هذه العجالة إلقاء الضوء على بعض العوامل التي شكلت ضعفا ذات أثر سلبي على الدعوة والمراكز الإسلامية في الغرب وإسهاماً في ترشيد الدعوة والدعاة في الغرب، وإيماناً مني بوجوب التعاون على البرّ والتقوى، وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب التناصح بين المسلمين، ورغبة في جمع الكلمة، ووحدة الصف على السنة، أقترح وأوصي إلى من يهمه الأمر من الدول الإسلامية والهيات الرسمية والعلماء والقائمين على المراكز الإسلامية في الغرب ما يلي:

 

فإن على المنتمين لهذه المؤسسات والمراكز والمنظمات رؤساء ومرؤوسين أن يتقوا الله في أنفسهم وفي المسلمين، وأن يدركوا أن مشكلة التعصب والاختلاف هما سبيل الفشل وأن التكاتف والتعاون والتنسيق فيما بينهم هي عناصر مهمة يتوقف عليها نجاحهم.

 

الاهتمام بالدراسة والتخطيط لكل عمل سواء كان دعوياً أو سياسياً أو حتى أساليب الخطاب لفئات المجتمع، والبعد عن الارتجال، بالتخطيط تتحدد الأهداف والمهام المطلوبة، وبالتخطيط ينتظم العمل ويحاط به دون إغفال جانب منه، وتشعل كل الطاقات في اختصاصه وتوزع المسؤوليات وتحفز الهمم.

 

ضرورة تطوير وتحديث أساليب الدعوة، وخاصة الجانب الإعلامي سواء كان صحيفة أو إذاعة أو تلفزيون. والذي أقترحه في هذا المجال هوإيجاد قناة تلفزيونية إسلامية قوية – مثل الجزيرة- تكون من مهماتها تقديم الإسلام لغير المسلمين بصورة حقيقية مشرقة تعكس صورة الإسلام الصادقة، وترد عنه شبهات الأعداء وكذلك تثقيف المسلمين بدينهم، وتذكيرهم بواجبهم تجاه دينهم والدعوة إليه، وتؤصل أوليات المرحلة

 

أن تكون العلاقة بين الدعاة والمراكز الإسلامية علاقة حب وإخاء وتعاون وولاء، وعليه يجب على المراكزالإسلامية أن يتفاهموا ويتعاونوا، وأن يكمل بعضهم بعضاً، لا أن يعمل كل مركز لهدم أو إلصاق التهم لغيره وعليهم ـ وهذا أهم ـ أن يقفوا في القضايا المصيرية للأمة موقفاً واحداً. فالتنسيق والتعاون بين جهود العاملين لخدمة الدعوة الإسلامية أمر مهم جداً.

 

الرفق في التعامل مع المخالفين سواء كانوا من الدعاة أو من عامة المسلمين، أو حتى من غيرهم، فإن الله أمرنا أن نجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وأيضاً فإن الله يحب الرفق في الأمور كلها، وما دخل الرفق في شيء إلاّ زانه ولا نزع من شيء إلاّ شانه[1] وأولى الناس بالرفق هم الدعاة إلى الله الذي هم معك في الخندق، فلابُدّ أن تتسع صدور بعضهم بعضاً وأن يقتدوا برسولهم الذي خاطبه الله بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}[2] فعلى الداعية إلى الله أن يكون متواضعاً لا متعاطماً. فإن الغلظة والترفع عن الآخرين، تؤديان لفض الناس الخير مهما كانت رسالة وحجة الداعية.

 

الموازنة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر، وقد قرر الفقهاء أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان.[3] وعلى ضوء ذلك فإن المراكز الإسلامية في الغرب في أمس الحاجة في المرحلة الراهنة إلى قيادات واعية تفقه مقتضيات الدعوة في ظروف العصر والمكان الذي نعيش أيامه وآلامه.

 

من الضروري عقد اجتماعات ودوريات للقائمين على المراكز الإسلامية في الغرب وتبادل الخبرات والتجارب ودراسة المشاكل المستجدة التي تعترض لمسيرة الدعوة ، ووضع الحلول المناسبة لعلاجها في الإطار الإسلامي الصحيح.

 

أقترح لقادة المراكز الإسلامية أن يقوموا بتكوين هيئة عليا للدعوة تقوم للإشراف دعم التنسيق فيما بين الدعاة والمراكزالإسلامية، وتدرس أوجه التحديات التي تواجه الدعوة في الوقت الحاضر، فإن المرحلة الراهنة تتطلب تنسيق الجهود أكثر من أي وقت مضى، كما تتطلب أيضا توحيد صفوف الدعاة والمراكزالإسلامية في الغرب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

د. عبدالرزاق محمود تكر

 

 

 

[1] وفي الحديث الصحيح: “إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله”، متفق عليه.

[2] سورة آل عمران، آية 159.

[3] محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، بيروت: دار الفكر، 1977م، 3/89.